مجلد 13 عدد 13 (2014): المجلة العلمية المحكمة العدد: 13

					معاينة مجلد 13 عدد 13 (2014): المجلة العلمية المحكمة العدد: 13

الافتتاحية

ظلام المدن لا ظلام العقول
يحفل هذا العدد من مجلة جامعة الملكة أروى، بمواضيع ثرية ومتنوعة. وما يلفت الانتباه فيما تحتويه المجلة، هو أنها تقدم إنتاجاً علميا وفكريا يغطي مساحة واسعة من الوطن العربي، وهذه ميزة قل أن توجد في أية دورية علمية يمنية أخرى. ولما كانت الكتابات العلمية والفكرية، تمثل انعكاساً شفافاً لهموم وطموحات وتطلعات مجتمع كاتبيها، فإني أؤكد أن همومنا وطموحاتنا وتطلعتنا واحدة. وما تعبر عنه هذه الافتتاحية هو لسان حال باقي المجتمعات العربية. فكلنا نتطلع لغد منقذ. وقد لفت انتباهي أحد موضوعات هذا العدد، وهو بعنوان الحكم الرشيد، هذا هو ما يسعى إلى تحقيقه الشعب اليمني على مدى عقود طويلة من الزمن، وهو الذي يمثل قاعدة هذه الافتتاحية.
وفي الطريق إلى غد منقذ أود التذكير بأن المجتمع اليمني شهد منذ مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة، أحداثاً جساماً، كان أبرزها ثورة الشباب، التي تمخض عنها مؤتمر الحوار الوطني الشامل، ثم الثورة التصحيحية، ثورة 21 سبتمبر 2014م. فثورة الشباب أتت بعد ثمانية وأربعين سنة، من الثورة الأولى، 26 سبتمبر 1962م، ولكنها، وعلى الرغم من طول الزمن، لم تأت بجديد، فكان لها نفس الطلب الذي أدى إلى قيام الثورة الأولى، وهو مجتمع العدل والكرامة الإنسانية، الخالي من الفساد.
والحدث الثاني، يتمثل في مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي تجمع فيه معظم، إن لم يكن كل المثقفين خرج المؤتمرون بحلول وتوصيات وطروحات كثيرة كلها تؤدي في نهاية المطاف إلى المطالبة بمجتمع قائم على العدل وصائن للكرامة الإنسانية، والخالي من الفساد والفارق الكبير بين واقع المجتمع اليمني في ستينيات القرن العشرين والمجتمع اليمني في مطلع الألفية الثالثة، يكمن في الكم الهائل من المثقفين الذين يتربع كثير منهم على سدة السلطة. فإذا كانت نسبة المثقفين في مجتمع ستينيات القرن العشرين محدودة للغاية، ومعظم أفراد الشعب أميين، وكان الحاكم، كما يشاع ظالم ومستبد، فلا عجب أن تنحرف الثورة عن مسارها المأمول، ويرث الثورة والمجتمع مجموعة من الناس ويعتبرونهما ملكا خاصا بهم. ولكن العجب العجاب هو ما حدث في ثورة الشباب وما تمخض عنها. حدثت ثورة الشباب في مجتمع الألفية الثالثة المجتمع الذي يزدحم بالمثقفين، وتزدحم بهم منصة السلطة فهم مسيطرون على السلطات الثلاث، فكيف إذن تنحرف الثورة عن مسارها. إن معرفة أسباب انحراف ثورة الشباب عن مسارها من المعادلات الشديدة التعقيد، ومع ذلك.
فلا بأس من تسليط الضوء عليها. إن استقراء تاريخ معظم المثقفين اليمنيين يبين بوضوح تام كيف أنهم كانوا العامل الرئيسي والمباشر بعلم منهم أو بدون علم، في اعتقاد من اعتلى السلطة، بعد الثورة الأولى، أن الأرض ومن عليها ملكا خالصا بهم. وكانوا يصورون للحاكم أنه لا يخطئ، وأن ما يقوله هو جوهر الحكمة فهو أستاذ الأساتذة، وعالم العلماء، وأستاذ السياسيين، ويحرص المثقفون على أن تتصدر الصحف الرسمية شيئا من أقوالهم، وإن لم توجد، إصطنعوها لهم. من النظام القديم. وبفعلتهم هذه، انحرفت هؤلاء المثقفين الذين بكفاءتهم، التي يم يعتدوا بها قط، أو بفضل تزلفهم للحاكم، إعتلوا مراكز حساسة في السلطات الثلاث وعندما قامت ثورة الشباب لم يستطع هؤلاء المثقفين تجاوز ثقافة التزلف والوصولولية، التي نشأوا عليها لأكثر من أربعين سنة. فما كان منهم إلا تسليمها لمن بقي الثورة عن مسارها، وعاد المجتمع إلى المربع الأول، يطلب مجتمعاً تسوده العدالة، ويخلو من الفساد.
وقد يقول قائل، ما هذه الحملة الشرسة على المثقفين !!! المثقفون هم من قام بالثورة، وهم من حافظ ويحافظ عليها. أقول، بعد قيام ثورة الشباب خلت السلطة من كل شيء عدا المثقفين ممثلين بالأحزاب السياسية الممثلة للشعب والمعبرة عن طموحاتهم وأهدافة، والعاملة على تحقيق تلك الأهداف، أليس هذا هو ما يقولنه عن أنفسهم ؟ تعالى معي وتأمل ... كانوا هم في مؤتمر الحوار ... كانوا هم الكوكبة التي تحيط بالرئيس ... كانوا هم المشكلين للحكومة ... كانوا أعضاء مجلس النواب ... ما الذي كان يشغل تفكيرهم، في هذه الأثناء ؟ هل كانوا يفكرون في مصالح الشعب ؟ ... هل كانت هموم الشعب وتطلعاته وآماله هي ما يشغلهم ويؤرقهم ؟ ... هل اتفقوا يوما فيما بينهم على أمر يهم المجتمع والوطن ؟ ... هل كان التقاسم في المراكز والمناصب والامتيازات وتحقيق الثروة هو آخر ما كان يهمهم ؟ ... أترك الإجابة للقارئ العزيز.
ودخل المجتمع في نفق الخيبة واليأس، واستبدت به كل أنواع الحسرة والندم على الأرواح الشابة التي أزهقت في سبيل الحلم القديم بالعدل وانعدام الفساد. ولم يقم المثقفون، ولا يمكنهم عمل أي شيء، بعمل ما من شأنه إعادة بصيص من الأمل الشعبهم بغد أفضل، بل ساهموا في تعزيز واقع الظلم واستشراء الفساد في المجتمع. ولكن زخم الثورة لم يمت، فقيض الله لهذا الشعب الصابر، جماعة منه، أخذت على عاتقها تصحيح مسار الثورة، وإعادة الأمل والتفاؤل إلى النفوس. فكان أول عمل لها الخلاص ممن كانوا يعتقدون بأنهم سادة الناس، وأن الدولة، ما وجدت إلا لترعى مصالحم، وما الجيش الحر الأبي إلا حرس خاص لهم، فهم من يعلي من شأن الناس ومن يخسف بهم متى ما أرادوا وبدأت الأمور تتكشف من جديد، كيف أن هذا البلد كان نهبا لأفراد لا يتجاوز تعدادهم أصابع اليد الواحدة. وكانت الخطوة الثانية للثورة التصحيحية 21 سبتمبر 2014م، هي تحقيق العدل، والتخلص من بؤر الفساد في المؤسسات التي يترأسها جماعة من الثقفين. وهذه الخطوة هي التي أزعجت معظم المثقفين، فبدأوا العمل فيما هم حاذقون فيه، وهو إثارة البلبلة والمخاوف في أوساط الشعب من البلاء القادم، وتفننوا في كيل أبشع الأوصاف له، ونعته بالمفرق بين الجماعة الخادم المصالح الدول الأجنبية.
ولكن ما فعلوه وما يفعلوه، اصطدم بواقع ما يحدث على أرض الواقع فما هو مشاهد ويعيشه الناس بصفة يومية، هو محاربة المفسدين والفساد، وتحقيق الأمن، ماستطاعوا إلى ذلك سبيلا. والسؤال الأخير الذي لا بد من طرحه هو هل سينجح هؤلاء المثقفين في عكس حركة الثورة الجديدة، والعودة بالوطن إلى المربع الأول ؟ والإجابة على هذا السؤال معقدة بنفس تعقيد المعادلة السابقة. فالمجتمع اليمني، بمدنه وريفه يعاني من انقطاع الكهرباء، فيحل الظلام في كل جزء منه هذه حقيقة لا جدال فيها. ولكن المشكلة ليست في ما نعانية من الظلام الناتج عن انقطاع التيار الكهربائي، بل المشكلة الحقيقية هي في ظلام العقول الظلام الذي ظاهره ذو بريق لامع، بينما حقيقته فيها تهديد قاتل للمجتمع، وهذا ما يجعلني أمتنع عن الإجابة عن السؤال المطروح.

أ.د. محمد أحمد الخياط

منشور: 2014-12-31

الرسائل العلمية