التعليم العالي الحكومي في اليمن..إلى أين؟

المؤلفون

  • أ.د. أبو بكر عبدالله القربي Sana'a University

DOI:

https://doi.org/10.58963/qaujscs.v1i1.8

الكلمات المفتاحية:

جامعة الملكة أروى، التعليم، التعليم العالي، اليمن

الملخص

أرجو أن لا تثير هذه الورقة الانزعاج من بعض الأفكار التي قد تبدو غريبة على تفكيرنا وإن كانت طبيعية في مجتمعات أخرى . كما أن هذه الرؤى لا تمثل سوى اجتهاد شخصي (آمل أن أوجر عليه) ولا تمثل سياسة متوقعة . وأؤكد هنا أنني أضعها كموضوع هو الأهم والأكثر تعقيداً وإثارة للحساسية على النظامين الاجتماعي والسياسي وعلى أمل أن يؤدي هذا الطرح إلى القبول ببعض المفاهيم الجديدة وتطوير بعضها وربما رفض البعض الأخر.

هناك ثلاث كلمات تتردد في إطار نظامنا التعليمي وهي التعليم والتدريب والتأهيل وهي في حقيقتها تمثل أضلاع مثلث إذا ما ترابطت أصبح المثلث مكتملاً ومتماسكاً . فالتعليم اكتساب المعرفة النظرية والتدريب هو اكتساب المهارة والتأهيل هو الإعداد لأداء وظيفة .

إن التدريب والتأهيل هما عنصران أساسيان للحياة فلولا المقدرة على أداء وظيفة لما استطاع المرء أن يؤدي عملاً ويكسب دخلاً يمكِّنه من ضمان لقمة العيش كما أن التأهيل نشاط مكتسب للإنسان والحيوان لأنها جميعاً تقوم بإعداد وتدريب أطفالنا منذ ولادتهم على مهارات البقاء والعيش وتجنب الأخطاء وكسب لقمة العيش إذاً فالتعليم ليس ترفاً أو وسيلة لاكتساب المعرفة وإنما يمثل المقدرة على توظيف هذه المعرفة في مهارات ومقدرات تمكن المرء من العيش والإنتاج .

إذاً فالتدريب والتأهيل موروث بيولوجي لضمان البقاء وهو في المقام الأول مسئولية أسرية فالأسرة هي الجهة المسئولة عن تعليم وتدريب أبنائها لتضمن لهم مستوى جيد من العيش وتجعل منهم أفراداً منتجين في مجتمعاتهم .

ومع تطور المجتمعات البشرية ونمو نسيج العلاقات الإنسانية فيما بينها أصبح من المهم لهذه المجتمعات أن تفكر معاً في صيغ تنظم علاقاتها وأن تتعاون فيما بينها بما يحقق لأفرادها الاستقرار والرخاء وأن تحدد هذه المجتمعات الأنشطة التي يمكن أن يؤسس فيها مبدأ المشاركة ، ولا شك أن التعليم كان أحدها وربما أهمها . ومما لا شك فيه أن الفكر الإنساني والأديان السماوية قد أسهمت في تعزيز مفهوم الإخاء والتكافل بين البشر وأن هذه القيم قد جعلت من التعليم هدفاً سامياً يجب أن تكون أبوابه مفتوحة أمام الجميع إلا أن نمو المجتمع الإنساني وأخذه أشكال التمايز قد أدى في النهاية إلى احتكار التعليم على طبقات المجتمع العليا من الإقطاعيين وطبقة رجال الدين والأثرياء وحرمت الأغلبية العظمى من الناس من فرص التعلم حتى يظلوا غير قادرين عن الخروج عن القيـود التي وضعت لهم للبقـاء كعمـال ( سخرة ) يسخرون لخدمة الإقطاعيين والنبلاء رغم أنهم ربما يكونوا قد اكتسبوا المهارات التي يحتاجون إليها من خلال الممارسة للقيام بأعمال تضمن لهم العيش وتوفير الحد الأدنى من حاجاتهم .

ومع نمو الطبقية في المجتمع وسيطرة طبقة منه على مصير الأغلبية وما أدى إليه ذلك من مزيد من الثراء والسيطرة لطبقة في المجتمع على حساب الأغلبية وما صاحب هذا النفوذ من بدايات للصراع الاجتماعي الذي أدى في النهاية قيام الثورات الإصلاحية بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية بين المواطنين . مع ضرورة الإشارة هنا كانت هناك مراحل تأريخ البشرية وفي خضم هذا الصراع الطبقي كانت هناك نماذج مشرقة لحكام أدركوا أهمية العدل الاجتماعي وعملوا على تحقيق قدر من العدالة ورفع الظلم وتطبيق مبادئ التكافل الاجتماعي في التعليم .

لقد خلق حصر العلم والتعلم بيد طبقة من الطبقات في المجتمع وهي طبقة الحكام والنبلاء في مفهومه الاجتماعي وبين رجال الدين في مفهومه الديني هوَّةٌ كبيرة بين المواطنين وهذه الطبقات كما أن اهتمام الحكام بالعلماء والمبدعين لم يتعدى كونهم مقتنيات يفخر بها الحكام ولكنهم لم يؤسسوها كمدارس فكرية دائمة . إلا أن الغرب قد شهد بدايات الخروج على هذه المفاهيم بعد الثورة الفرنسية ومع بدايات الثورة الصناعية التي لم تكن لتنطلق دون توفر الأيدلوجية الفكرية والأساس العلمي لها .

مع قيام الثورات الاجتماعية والسياسية كان من البديهي أن يكون تحقيق العدالة أحد أهم شعاراتها وبالتالي فإن إنصاف طبقات العمال والمزارعين كان من أول أهدافها وبالتالي جاء حق التعليم للجميع في أولوية برامج تحقيق العدالة الاجتماعية خاصة وأن التعليم يمثل الأداة الحقيقية لتغيير واقع هذه الطبقات فالتعليم هو الوسيلة التي تعمق مفاهيم المواطنة الحقيقية وتوضح الحقوق والواجبات وتزرع قيم المواطنة والانتماء وتضع أسس بناء المجتمع المدني الجديد . كما أن التعليم يمثل الأداة لترسيخ مفاهيم الثورة أياً كانت وتنشئة الأجيال الجديدة على تعاليم وأيديولوجية الثورة بما يضمن تشكيل قاعدة من الشباب تستوعب هذه المفاهيم وتؤمن بها وتدافع عنها . كما تجدر الإشارة هنا إلى أن المدارس الدينية  (الكنيسة) في الغرب عملت من جانبها على تكريس القبول بالواقع باعتباره إرادة سماوية وضمان سيطرة رجال الدين على تفكير المواطنين وتحويلهم إلى سجناء لمفاهيم الكنيسة التي حجبت عنهم نظريات العلوم الحديثة ووقفت حاجزاً أمام إبداع العقل البشري باسم الدين بل وسخرت الدين لخدمة الإقطاعيين والملوك في تحالف أضر بالكنيسة ضرراً كبيراً .

أما الوطن العربي وحتى بدايات القرن العشرين فقد اعتمد على الكتاتيب كمدارس لتدريس القرآن واللغة وكما أن العالم الإسلامي لم يعرف حتى في عهد الحضارة الإسلامية المدارس بمفهومها الحديث وإن كانت هناك مدارس دينية مشهورة في العديد من البلدان مثل الأزهر وفاس والقيروان والحرم المكي والمسجد الأموي وزبيد في اليمن إلا أنها كانت مدارس لدراسة علوم الدين واللغة والفقه والشريعة كما أنها اعتمدت على الوقف لدعم علمائها وطلابها واعتمدت في نظام الدراسة طريقة الحلقات التي ينظم إليها طالب العلم برغبته الذاتية ويختار المدرس الذي يريد .

ولعل الصفحة المضيئة لهذه الكتاتيب أو المدارس الدينية أنها ضمنت درجة كبيرة من الحرية للمعلم والطالب كما أنها لم تتحول إلى محاكم للفكر كما حدث في الغرب عدا في بعض مراحل الجدل الفلسفي الديني . وظل الأمر كذلك إلى بداية القرن العشرين حين بدأت تظهر نتائج النهضة الصناعية في الغرب ومظاهر التخلف في العالم الإسلامي فبدأت فكرة إنشاء النظام التعليمي الحديث مستنبطاً مبادئه وأساليبه من الغرب وكان الحاكم محمد علي - في مصر هو أول من أدخل هذا النظام وإن كانت معظم مدارسة في ذلك الوقت قد أخذت الطابع الأهلي . والمؤسف أنه مع هذه البدايات تجاهل القائمون عليها أهمية ربطها بتراثنا الديني والحضاري بل وفي بعض الأحيان أخذت هذه المدارس بمبدأ الرفض له ، مما أدى إلى ردود فعل سلبية وأدى إلى انقسام النظام التعليمي في كثير من البلدان العربية إلى نظام تعليم ديني وعام مما خلق انفصام في شخصية الإنسان العربي وقدرته على تقبل الجديد مع الحفاظ على المشرق من تراثه وتأريخه .

والمؤسف أن بعض الثورات الاجتماعية هي الأخرى وقعت في نفس الخطأ واهتمت بالحفاظ على الثورة أو بالأحرى سيطرة الثوار أكثر من اهتمامها بأهدافها المتمثلة بالانتقال بالمجتمع من واقع الاضطهاد والتخلف إلى مجتمع متحرر منطلق نحو آفاق المستقبل .

هذه التطورات التاريخية فرضت دوراً جديداً للدولة في النظام التعليم بدأ بإلغاء التعليم الأهلي أو تجميده على ما هو عليه وانتهى بتحمل الدولة إدارة النظام التعليمي ومسئولية تحديد وجهة التعليم وأهدافه واستراتيجيته والعمل على ترسيخ إيديولوجية النظام والحكم مما أدى إلى تعارض المنهج التعليمي أحياناً مع عقيدة الشعب وروح الإبداع فيه ، كما إن إلغاء الحرية الشخصية في التعلم ( الموضوع والمنهج .. الخ ) قد جسد الدكتاتورية في النظام التعليمي . إن دور الدولة الذي يفترض أن يكون إشرافياً قد تحول في حقيقته إلى هيمنة لها أو للنظام السياسي على النظام التعليمي منطلقاً من مبدأ أن الدولة هي أكثر فهماً لاحتياجات المواطن والمجتمع وهي والأقدر على تحديد ما يتعلمه المواطن بينما حقيقة الأمر هي أن الدولة طبقت مفهوم النظام الشمولي في الحكم إلى النظام التعليمي وفرضت المقررات الدراسية والمناهج التعليمية التي تتوافق مع أيديولوجيتها لتحول المواطن إلى عجينه تشكلها كما تشاء وتعمق اعتماده على الدولة باعتبارها المانحة لوسائل الحياة وبالتالي فإن عليه أن يوظف كل طاقاته لخدمتها وأن يقبل بتوجيهها حتى تفتح له أبواب المستقبل والنجاح حتى وإن كان ذلك على حساب حريته وطموحاته ومقدرته .

في كلا الحالتين أصبح المواطن ضحية سيطرة فئة من الفئات إما طبقة اجتماعية أو سلطة في الحكم وإذا كان هدف الفئة الأولى إخضاع المجتمع واستغلال قدراته للثراء فإن هدفه الفئة الثانية هو توظيف المجتمع وتسخيره لحماية النظام وتحقيق أي أيديولوجياته التي قد لا تمثل رغبة المواطن بل إنها في كثير من الأحيان قد تتعارض مع معتقداته وتراثه الحضاري.

منشور

2000-06-01

Funding data

كيفية الاقتباس

التعليم العالي الحكومي في اليمن..إلى أين؟. (2000). مجلة المؤتمرات والندوات العلمية جامعة الملكة أروى, 1(1), 14. https://doi.org/10.58963/qaujscs.v1i1.8

المؤلفات المشابهة

1-10 من 15

يمكنك أيضاً إبدأ بحثاً متقدماً عن المشابهات لهذا المؤلَّف.